النشرة الأسبوعية

اشترك في نشرتنا الأسبوعية — مقالات شرق × غرب جديدة كل أسبوع في بريدك.

رسالة واحدة في الأسبوع. يمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.

شكرًا — تمت إضافتك إلى القائمة.

تعذّر الاشتراك — حاول مرة أخرى.

شرق × غرب

الحزن الذي صار لون المدينة والكآبة التي صارت مرضاً

17 يوليو 2026·7 دقائق قراءة

تخيّل رجلاً يكتب خمسمئة ألف كلمة عن الحزن لكي ينجو من حزنه. هذا بالضبط ما فعله روبرت بيرتون عام 1621. فقد وضع كتابه الضخم «تشريح الكآبة» تحت اسمٍ مستعار هو «ديمقريطس الأصغر»، ولم يُخفِ غايته قط: «أكتب عن الكآبة كي أهرب منها، بأن أبقى مشغولاً.» أي أنّ الكتاب نفسه كان علاجاً. كانت الكتابة طريقته في ترويض الأسى. وفي القرن ذاته، على الطرف الآخر من العالم، في إسطنبول، كان الشعراء يفعلون النقيض تماماً؛ لم يحاولوا الفرار من الحزن، بل كانوا يدعونه إلى قلب القصيدة.

أمّا كيف انتهى هذا العلاج، فيهمس بالجواب شاهدُ قبر بيرتون في أكسفورد: «الكآبة منحته حياته وموته معاً.» ولم يتخلّف الكتاب عن صاحبه؛ فقد ظلّ بيرتون ينقّحه حتى مات، يتضخّم المتن في كل طبعة جديدة قليلاً حتى تجاوز نصف المليون كلمة. لأنّ العلاج لم ينتهِ أبداً؛ وما دامت الكتابة تُجدي، فلن يكون لها هي الأخرى نهاية.

فكيف يلتقي التقليد العثماني التركي وتقليد إنجلترا البروتستانتية في القرن السابع عشر عند مصيرين متناقضين للشعور الواحد؟

الحزن الذي صار لون المدينة

لم يكن حزن الشاعر العثماني ضعفاً يُخبَّأ. ففي تقليد شعر الديوان يكون العاشق «بريشان»، وهذه الكلمة تحمل معنى الشتات والعمق في آنٍ واحد.

في شعر فُضولي يكاد ألم الفراق يُعادل فضيلة؛ فالروح التي تتألّم هي الروح التي تشعر بعمق. الإنسان السطحي لا يقوى على كل هذا الألم؛ وعظمة الألم دليل على عظمة الروح.

لكنّ الحزن ليس شعوراً فردياً فحسب. وهذا بالضبط ما يرويه الكاتب التركي المعاصر أورهان باموق، الحائز على جائزة نوبل، في كتابه «إسطنبول». ضبابُ البوسفور، والقصور الخشبية المهملة على الضفاف، والحدائق المهجورة، والكشوك المتهدّمة. ليست هذه حُزن شخصٍ واحد، بل شعور مشترك تحمله مدينة بأكملها. الحزن، على حدّ تعبير باموق، كائنٌ جماعي تسرّب إلى شوارع إسطنبول وبيوتها وكل تلك الأطلال. الحزن هنا جوّي، بل هو مقولة جمالية. المثقف العثماني المتأخر لا يحارب هذا الشعور؛ إنّه يعيشه، ويصبّه في الشعر، ويتعرّف على الجمال الكامن فيه.

وهنا لا بدّ أن أضيف: أن تصف شعوراً بأنّه «جميل» يعني في الحقيقة أنّك صالحته. الحزن العثماني لا يرى الأسى عدوّاً، بل لوناً من ألوان نسيج الحياة. تماماً كالألوان الداكنة في لوحة؛ من دونها لا تقوم الصورة. الظلّ الغامق يجعل النور أشدّ سطوعاً. والحزن كذلك؛ لا يُبخّس فرح الحياة، بل يمنحها العمق على العكس.

كون هذا الشعور جماعياً أمرٌ مهم أيضاً. فالكآبة الغربية كثيراً ما تكون انغلاق إنسانٍ وحيد في غرفته؛ أمّا الحزن العثماني فهواءٌ مُشترك. تخيّل ذلك الأسى العذب الذي يشعر به الجميع معاً، عصر يومٍ ما، في حديقة شاي. لا أحد «مريض»؛ الكل ينظرون معاً إلى الماضي نفسه، والفقد نفسه، والزوال نفسه. الأسى المُتقاسَم أخفّ بكثير من الأسى الوحيد. ولعلّ هذا كان أدقّ ما اهتدى إليه التقليد العثماني: أن يجعل الألم قابلاً للحمل عبر توزيعه. وهذه كانت أيضاً وظيفة موسيقى التكية، وقصيدة الديوان، بل وحتى الأغنية الشعبية — أن تُحوّل ذلك الحزن الصامت الذي يحمله كلٌّ في داخله إلى صوتٍ مشترك.

وبما أنّنا ذكرنا التكية، فإنّ للحزن عنواناً جاهزاً في الخريطة الداخلية للتصوّف. في «الرسالة القشيرية»، ذلك الدليل الصوفي العربي الذي مضى عليه نحو ألف عام، بابٌ مخصّص للحزن؛ وهو هناك ليس عطباً، بل مقامٌ يُبقي القلب يقظاً. في ذلك التقليد يُشبَّه القلب الخالي من الحزن ببيتٍ خربٍ لا يسكنه أحد. أمّا رسمُ خرائط العالم الداخلي، الذي سيخرج التحليل النفسي لاكتشافه بعد قرون، فقد اتّخذه أهل التصوّف حرفةً لهم منذ زمن بعيد.

خطرٌ يجب طرده

أمّا إنجلترا بيرتون فقد أقامت مع الشعور نفسه علاقة مختلفة تماماً. فبحسب نظرية «الصفراء السوداء» الموروثة عن الطب القديم القائم على الأخلاط، كان اختلال توازن الجسد يُعتّم العقل؛ فالكآبة مرضٌ جسدي. لكن كان ثمّة شيء آخر أخرجها من كونها مسألة طبية محضة وحوّلها إلى قلقٍ أخلاقي: البروتستانتية.

في إنجلترا البيوريتانية كان العقل العاطل — العقل الراكد المنغلق على نفسه الجامد — خطراً حقيقياً. ومقولة «العقل الفارغ ورشة الشيطان» لم تكن مجرد قول مأثور، بل قلقاً لاهوتياً جادّاً. في تلك الرؤية للعالم كانت القيمة تُقاس بالعمل والإنتاج والاستحقاق أمام الله. أمّا الركود الكئيب فكان نقيض ذلك تماماً — ضربٌ من الكسل الروحي، بل خطرُ الوقوع في الإثم.

كم كان هذا القلق حقيقياً يتّضح من يوميات ذلك العصر. فقد سجّل حرفيٌّ بيوريتاني في لندن، في دفتره، هوسه بالإثم ومعه ما لا يقلّ عن عشر محاولات انتحار واحدةً تلو الأخرى؛ لأنّ اليأس في ذلك اللاهوت لم يكن أسىً عادياً، بل شكّ المرء في خلاصه هو — وذلك أخطر الآثام. كان التأمّل الباطني واجباً، لكنّ عند طرفه هاوية: من يستجوب نفسه قليلاً لا يليق بالله، ومن يستجوبها كثيراً يتدحرج إلى الظلام.

ولهذا كتب بيرتون أكثر من ألف صفحة كي يُعرّف الكآبة ويُصنّفها ويعالجها. فأحصى أسبابها وأنواعها وعلاجاتها واحداً واحداً. وجاء الحلّ الذي اقترحه مطابقاً تماماً لهذه الرؤية للعالم: العمل، والانشغال، والمشاركة في الحياة الاجتماعية. نُظر إلى الشعور بوصفه عائقاً يجب كبته وإدارته وتجاوزه. وقد كرّس حياته هو أيضاً لهذا المبدأ — يحاول أن يُبقي أساه بعيداً بالكتابة بلا توقّف.

هنا تظهر حركة مميّزة للعقل الغربي: ما لا يفهمه أو ما يُقلقه، يفكّكه أولاً إلى أجزائه، ويسمّيه، ويضعه في جدول. تناول بيرتون الكآبة تماماً كعالِم طبيعة؛ كأنّه يُثبّت حشرةً بدبّوس ويضعها تحت المجهر. لهذا النهج جانبٌ بارد، نعم. لكن له في الوقت ذاته جانباً قوياً إلى حدٍّ مذهل. لأنّك حين تُسمّي شيئاً، تُمسك به من مقبض. الخوف المجهول يملأ كل مكان؛ أمّا الخوف الذي عُرف اسمه فيمكن تحديده. لقد أرسى الغرب، بتسميته الأسى، أرضاً يستطيع أن يصارعه عليها — وصارت تلك الأرض في النهاية المكان الذي وُلد فيه علمٌ كامل للصحة النفسية.

حين أضع التقليدين جنباً إلى جنب يستيقظ في ذهني هذا السؤال: لماذا أدخل أحدهما الحزن إلى بيته، بينما نقله الآخر إلى العيادة؟ الجواب مُضمَرٌ في التاريخ وفي الإيمان. عاشت الحضارة العثمانية أفولاً بطيئاً عبر القرون؛ وهذا الفقد التاريخي جعل الأسى الجماعي جزءاً من الهُوية. غاص الفقد في روح العثماني حتى صار الحزن لا هزيمةً بل دليلاً على العمق. أمّا البروتستانتية فقامت على المسؤولية الفردية والإنتاجية؛ والشعور الراكد كان فيها ضعفاً أخلاقياً. حتى الجغرافيا رسّخت هذا: من منحدرات إسطنبول كانت تُرى أطلال التاريخ؛ أمّا في أكسفورد بيرتون فكان الأفق هو العمل والاستحقاق أمام الله.

وذاكرة اللغة حفظت إيصال الجذر المشترك حتى وقت افتراق الطرق. فكلمتنا التركية «سِوْدا»، بمعنى العشق، تأتي من «السوداء» العربية — أي من تلك الصفراء السوداء بعينها. حين نقول «قره سِوْدا» (العشق الأسود) نتحدّث دون أن ندري عن أخلاط أبقراط؛ بل يقول أهل الاشتقاق إنّ لا قرابة للكلمة أصلاً بفعل «الحب». من الطب القديم نفسه استخرجت حضارتان حكايتين مختلفتين: صنعت إحداهما منه مرضاً، والأخرى حبّاً.

ماذا وهبتنا هاتان الثقافتان عن الأسى؟

الجانب اللافت في حزن تقليد الشعر العثماني هو قدرته على العثور على معنى داخل الفقد.

أن تحوّل انهيار حضارةٍ إلى قصيدة لا إلى مأساة، أن تقول إنّ أثقل التاريخ قد يحتضن جمالاً، هذا لا يخرج إلا من ثقافةٍ تعرف الأسى صديقاً لا عدواً. حين يُعلي الشاعر العثماني من «حاله البريشان» فإنّه في الحقيقة يقول: هذا الفراغ في داخلي دليلٌ على أنّ وجودي ليس سطحياً. الحزن هنا ليس استسلاماً، بل حريةٌ غريبة.

ولأكن صادقاً، لم تكن الصورة يوماً هذا التضادّ الصافي. فالطبّ العثماني هو أيضاً عرف «العشق الأسود» وعالجه: تروي السجلّات أنّ المرضى المصابين بالكآبة في دار الشفاء بأدرنة كانوا يُطلَب لهم الشفاء بمقامات الموسيقى، وصوت الماء، والروائح الطيبة. والأدقّ من ذلك أنّ بيرتون نفسه يعدّ الموسيقى، في كتابه الضخم، من أقوى الأدوية ضدّ اليأس. جرّب العالمان المفتاح نفسه على باب الأسى؛ والفرق في ما إذا كان خلف الباب بيتٌ للشعور أم عنبرُ مرضى.

وفضلُ بيرتون أنّه، بتصنيفه الكآبة، وضعها موضع السؤال.

قد يبدو أن نعدّ شعوراً «شيئاً يجب إصلاحه» أمراً قاسياً للوهلة الأولى. لكنّ دافع الفضول والتصنيف ذاته صار، بعد قرون، مرجعاً أولياً لأبحاث الاكتئاب، والتحليل النفسي، والعلاج السلوكي المعرفي.

قد يكون كتاب بيرتون، بعين اليوم، مليئاً بالأخطاء. لكنّ المهم أنّه وقف في مواجهة الأسى وسأل: «ما هذا؟ من أين يأتي؟ وكيف يزول؟» وذلك السؤال هو جدّ الأدوات التي تُخفّف اليوم ألم ملايين البشر. بل إنّ حلّ بيرتون نفسه — أن تبقى مشغولاً، أن تتعلّق بعمل — نصيحةٌ كثيراً ما يقدّمها العلاج الحديث أيضاً.

وقد رأيتُ بنفسي مؤخراً كم أنّ هذه النصيحة صحيحة. شعرتُ أنّني بلغتُ نهاية مشغلةٍ ظللتُ أمارسها بشغف طويلاً؛ كان هناك فراغ، وركودٌ لا يوصف. كان ردّ فعلي الأول أن أحسب ذلك انهياراً. ثم أدركتُ أنّ الحقل المتروك للراحة لا يُثمر هو أيضاً، لكنّه ليس عقيماً — إنّما يستريح، ويلمّ ترابه. حملتُ ذلك الطور الراكد بأن أنتج أشياء صغيرة، وأتعلّق بعمل. كان بيرتون قبل أربعة قرون يسمّي هذا «البقاء مشغولاً»؛ وأنا عشتُ الشيء نفسه اليوم بكلمات أخرى. تبيّن أنّ ترياق الأسى ليس إنكاره، بل أن نمنحه شكلاً قابلاً للحمل.

والطريف أنّ الريح انقلبت بعد أربعة قرون. فثمّة في الغرب اليوم عرقٌ يعترض على صناعة السعادة: الأستاذ الأمريكي في الأدب إريك ج. ويلسون يدافع في كتابه «ضدّ السعادة» عن ألّا نخلط الكآبة بالاكتئاب، وأن نرى في ذلك الأسى القلق منبعاً للإبداع والعمق. الضيف الذي حاول بيرتون طرده من الباب يدعوه أحفاده الآن إلى الدخول — بل إلى صدر المجلس ذاته الذي أجلسه فيه الشاعر العثماني قبل قرون.

الثقافة التي سمّت الكآبة «مرضاً» عالجتها؛ والثقافة التي سمّتها «حزناً» حوّلتها إلى شعر. لكن انتبه، كلتاهما فعلت في الحقيقة الشيء نفسه: حوّلت حقيقةً يصعب احتمالها إلى حقيقةٍ أخرى يمكن العيش داخلها. جعلت إحداهما الأسى قابلاً للحمل بدواء، والأخرى ببيتِ شعر. ولعلّ جوهر كوننا بشراً يكمن هنا تحديداً.

حين نعجز عن محو الألم، فإنّ منحه شكلاً نطيق احتماله وثيقُ الصلة بإنسانيّتنا…

كتبه S.K.C. في فيينا بتاريخ 14 يوليو 2026.

أعجبك؟ اكتشف المزيد

© 2026 eastwestmindset — جميع الحقوق محفوظة. يتطلب استخدام نصوص هذا الموقع إذنًا مسبقًا.