النشرة الأسبوعية

اشترك في نشرتنا الأسبوعية — مقالات شرق × غرب جديدة كل أسبوع في بريدك.

رسالة واحدة في الأسبوع. يمكنك إلغاء الاشتراك متى شئت.

شكرًا — تمت إضافتك إلى القائمة.

تعذّر الاشتراك — حاول مرة أخرى.

شرق × غرب

لماذا تخاف الحكومات من العطاء؟ الهدية بين طقسٍ ودَين

13 يوليو 2026·5 دقائق قراءة

إذا أردت أن تفهم مجتمعاً، فانظر إلى ما يعدّه جريمة.

في عام ١٨٨٥، أعلنت كندا أن طقساً بعينه خارجٌ عن القانون. لم يكن قتلاً ولا سرقة، بل كان يتعلّق بالكرم والعطاء.

في هذا الطقس المسمّى «البوتلاتش» (Potlatch)، كان سكان أمريكا الشمالية الأصليون يوزّعون كل ما يملكون، فرأت الدولة في ذلك خطراً. ودام الحظر ستّاً وستين سنة كاملة، حتى عام ١٩٥١. وحين ننظر اليوم إلى الوراء، يبرز السؤال: لماذا تخاف حكومةٌ من أن يُهدي أحدهم شيئاً؟

الجميع يُهدون. لكن جواب سؤال «لماذا تُعطي؟» يكشف بصمت ما يفكّر فيه مجتمعٌ ما عن السلطة والثروة والعلاقات الإنسانية.

فالعطاء عند بعضهم استعراض، وعند آخرين دَين، وعند غيرهم فعل حبٍّ خالص. وقد تكمن تحت الإيماءة نفسها معانٍ شديدة الاختلاف.

سنضع اليوم وجهاً لوجه تقليد البوتلاتش على الساحل الهادئ لأمريكا الشمالية، وفهمَ الهدية كما صاغه منطق السوق في الغرب الحديث.

القائد الذي يكبر بالعطاء

في طقس البوتلاتش، يقف زعيم قبيلة أصلية ويوزّع كل ما في يده: البطانيات، وألواح النحاس، وأدوات الصيد، وأحياناً القوارب. القاعدة بسيطة لكنها مزلزِلة: كلما أعطيت أكثر، نلتَ احتراماً أكبر.

دام هذا الطقس قروناً بين الشعوب التي تسكن الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، في المنطقة الممتدّة من هايدا غواي إلى جزيرة فانكوفر.

في عالم هذه الشعوب المحلية، كانت ذاكرة الجماعة تحفظ «المُعطين» لا «المُكتنِزين».

تحت هذا الفهم كان يعمل حدسٌ أشبه بقانون طبيعي: الثروة موجودة كي تسري إلى المجتمع، وإن لم تسرِ فسدت.

تأمّل الماء: الماء الجاري صافٍ، والماء الراكد يفسد ويتعفّن. هكذا يرى تقليد البوتلاتش الثروة تماماً. فقيمة الإنسان لا تُقاس بما يمسكه في يده، بل بما يمرّ عبر يده.

في بعض احتفالات البوتلاتش، بلغ هذا المنطق أقصاه. فلم يكن الزعماء يكتفون بالعطاء، بل كانوا أحياناً يُتلفون ثرواتهم إتلافاً استعراضياً: يكسرون ألواح النحاس الثمينة، ويُلقون البطانيات في النار، بل يصبّون الزيت في البحر. ونحن هنا ننقل عادةً غابرة بعين المؤرّخ والباحث في الأنثروبولوجيا، نصفها كما كانت لا لنتبنّاها.

تبدو هذه لعينٍ حديثة ضرباً من الجنون، لكنها كانت في تلك الثقافة تحمل رسالة: «أنا في غنى عن هذه الأشياء إلى حدّ أنني قادرٌ حتى على الاستغناء عنها». فأرفع صور التحكّم في الثروة كانت في ألّا يحتاج إليها المرء البتّة. وكان زعيمان متنافسان يدخلان أحياناً في ما يشبه «مبارزة في الكرم»، يحاول كلٌّ منهما أن يتفوّق على الآخر ببذل أكثر مما بذل. فالقوة هنا لم تكن تُقاس بالاكتناز، بل بالقدرة على التخلّي.

حين قرأتُ هذا أول مرة، أدركتُ شيئاً: هذا الطقس في حقيقته آلة خفيّة لإعادة التوزيع. فالزعيم الذي يكسب كثيراً في عامٍ وفير يُعيد كسبه إلى الجماعة عبر الطقس. لا يبقى أحدٌ شديد الفقر ولا أحدٌ شديد الغنى. ما تحاول الدول الحديثة أن تفعله بالضرائب والإعانات الاجتماعية، حوّلته هذه الشعوب إلى طقس تكريم. ولم يكن هذا النظام اقتصاداً جافّاً؛ فالولادات والزيجات والوفيات كانت كلها تُعلَّم بالبوتلاتش. وكان العطاء في الوقت نفسه وسيلةً لإبقاء الذاكرة الجماعية حيّة.

الهدية التي تخلق دَيناً

في الغرب الحديث، تتكلّم الهدية لغةً مختلفة تماماً. هدايا أعياد الميلاد، وعُلَب رأس السنة، وقوائم الزفاف: كلها جزء من تبادل اجتماعي دقيق. حلّل عالِم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس هذا في كتابه «مقال في الهبة» (Essai sur le don) الذي كتبه عام ١٩٢٥. ففي رأيه، في كل هدية جزءٌ من مُعطيها — شيء يشبه الروح — ولهذا تشعر بأنك مضطرٌّ إلى ردّ المثل.

إن اقتصاد الهدية في الغرب يقوم على هذا الدَّين المتبادَل. فحين يشتري لك أحدهم شيئاً أغلى من أن تحتمله، ينتابك الانزعاج. والسبب ليس اللطف، بل الدَّين: فقد دخلتَ تحت التزامٍ لا تقدر على ردّه. الهدية هنا تنسج رابطة، لكنها في اللحظة نفسها تقيم توازن قوى صامتاً. فالمُعطي قد تقدّم خطوة.

ترى منطق هذا الدَّين في كل مكان من الحياة الحديثة. فمع اقتراب رأس السنة، يقع ملايين الناس في قلق «ماذا أشتري له؟» — وغالباً لا عن رغبة، بل عن إلزامٍ بردّ المثل. نبتسم حتى حين لا تعجبنا الهدية التي تلقّيناها؛ ونُخفي كأنه جُرمٌ صغير أن نُعيد إهداء هدية لم نستعملها إلى شخص آخر. بل نضبط ثمن الهدية بعناية: لا أغلى من أن يُثقِل مَن نُهديه بدَين، ولا أرخص من أن يظنّ أننا نستخفّ به.

وثمة لحظة أمسكتُ فيها بهذا الانزعاج على أعرى صوره في نفسي. كنتُ قد قدّمتُ لأحدهم لفتة شكرٍ صغيرة لأنه أنجز لي عملاً؛ فمدّ إليّ بدوره شيئاً صغيراً لم أكن أتوقّعه. منطقياً كان يكفيني أن أقبله وأقول «شكراً». لكن شيئاً في داخلي لم يهدأ — لم أُطق أن أحمل ذلك الخيط المفتوح دون أن أردّه، فدفعتُ زيادةً وقلت «تعادلنا». وحين فكّرتُ في الأمر لاحقاً ضحكتُ من نفسي: أنتقد منطق الهدية في خلقها للدَّين، وأنا أعيش في صميمه. إن هضم أن نأخذ بلا مقابل يتطلّب نضجاً منفصلاً عن نضج العطاء.

في البوتلاتش كان الهدف أن تعطي أكثر ما يمكن؛ وفي الغرب الحديث يكون الهدف غالباً «ضبط التوازن».

في أصل هذا الفرق يكمن فهمان مختلفان للملكية. في الغرب، الثروة مِلكٌ للفرد؛ واكتسابها وتنميتها وحمايتها قوة مشروعة. أما في تقليد البوتلاتش، فلا معنى لثروة لا تسري إلى الجماعة. وأخلاق العمل البروتستانتية ظلّت تُنتج باستمرار التوتر بين «الكسب» و«الاكتناز». وحتى العمل الخيري لا يحلّ هذا التوتر، بل قد يؤطّره بوصفه استثناءً يُكافأ عليه.

الهدية الحديثة تحوّل الشيء إلى حاملٍ لمعنى شخصي. زهرة، رسالة مكتوبة بخط اليد، شيء صغير مُنتقى بعناية: كل هذا يوجّه رسالة «أنت مميّز».

في البوتلاتش، العطاء للجماعة لكنه على هيئة منحٍ وإفضال؛ وفي العالم الحديث، العطاء لتأسيس علاقة أو إدامتها. أحدهما يوزّع ثروة، والآخر يربط القلوب.

وإذا كانت حكومةٌ تخاف من الكرم، فإن ما تخافه ليس الكرم في حقيقته، بل فهماً آخر للقوة يكمن تحته. فمن يُعطي يرسّخ قوته أو موقعه، مادياً كان أو معنوياً.

لقد نجح الغرب في تحويل الهدية إلى خيطٍ خفيّ بين شخصين. أول حذاءٍ تحتفظ به أمٌّ لطفلها، وملاحظةٌ مكتوبة داخل كتابٍ أهداه صديقٌ قبل سنوات… مثل هذه الهدايا التي رسّختها الذكريات لا قيمة نقدية لها، لكنها لا تُقدَّر بثمن. حتى أصغر شيء، إذا خرج من اليد الصحيحة، يتحوّل إلى دليلٍ ملموس على حبّ.

أي أن نقدر على العطاء بسخاءٍ دون حساب، وأن نضع في ما نعطيه معنى خاصاً بذلك الشخص، لعلّ هذا ما يجعل الهدية فريدة. أما اليوم فغالباً، بسبب زحمة حياتنا، نضع للهدية سعراً ولا نوليها ما تستحقّ من عناية. حتى بطاقة الهدية قد تصير أحياناً هي الهدية نفسها.

ليس ما نملكه هو ما يجعلنا كرماء، بل قدرتنا على أن نمنح مَن نقف أمامه جزءاً منّا، مادياً كان أو معنوياً — أن نُعطي أحياناً دون أن ننتظر ردّاً، حتى لا تكاد يمينُنا تعلم ما بذلت.

وعلى كل حال، فإن فكرة أن عالماً قائماً على المشاركة أمرٌ ممكن، تبعث فيّ الأمل…

كتبه S.K.C. في فيينا في ٢٩ يونيو ٢٠٢٦.
أعجبك؟ اكتشف المزيد

© 2026 eastwestmindset — جميع الحقوق محفوظة. يتطلب استخدام نصوص هذا الموقع إذنًا مسبقًا.