سؤالان لمجنون واحد: هل وجدتَ الله، أم أخذتَ دواءك؟
في القرن الثامن عشر، كان مستشفى بيثليم في لندن — ذلك المكان الذي رسخ في الذاكرة الشعبية باسم “بيدلام” — يستقبل نحو ستة وتسعين ألف زائر في العام. لم يكن أحدهم يقصد العلاج. كان الزائر يدفع قرشاً واحداً، يدخل، يتجول بين المرضى المقيَّدين بالسلاسل، ويتفرج على ردود أفعالهم كما يتفرج على عرض مسائي.
في الزمن ذاته، في جغرافيا أخرى، كانت زاوية صوفية تحتضن رجلاً فقد — في ظاهر الأمر — عقله الدنيوي. الناس يقتربون منه باحترام، يستمعون إلى كلامه، يبحثون فيه عن إشارة إلهية. الحال نفسه. ردّان على طرفَي نقيض.
الجنون يضغط كل شيء في سؤال واحد: أين ينتهي العقل وأين يبدأ الإنسان؟ عند هذا السؤال بالذات يلتقي التصوف الإسلامي والتنوير الأوروبي — أو بالأدق، يصطدمان.
شاعر في الصحراء
جذر كلمة “مجنون” في العربية مثير للوقوف: مَن مسّه الجنّ. التراث الصوفي أخذ هذا اللفظ وصنع منه شيئاً آخر تماماً. لم يعد المجنون اسماً لحالة مرضية، بل صار علَماً على حالة من العشق الإلهي.
القصة الأشهر هي قيس وليلى. يهيم قيس في الصحراء، شعثاً، لا يكفّ عن إنشاد الشعر. لكن الصوفية لا يرونه ضحية هوى بشري. في نظرهم هو روح أحبّت حتى بلغت ما يشبه الجنون.
للقصة وجه آخر: قيس كان شاباً اعتياديا اسمه قيس. حبّه لليلى أضحكه في أعين الناس وجعلهم يصفونه بالجنون. لكن الشعراء الصوفيين — من نظامي إلى فضولي — أخرجوا الحكاية من صورة المأساة العاطفية وجعلوا منها أُمثولة. في أيديهم لم تعد ليلى امرأةً، بل صورة من صور الجمال الإلهي. والجنون هنا ليس تشخيصاً، بل ثمن العشق الأعلى. من قال فيه الناس “فقد عقله” كان يرى — في ما يرى الصوفي — أعمق مما يرى الجميع.
هذه الرؤية لم تبقَ في عالم الأدب وحده. قال الحلاج (٨٥٨–٩٢٢) ذات يوم: “أنا الحق”. صدم هذا القول علماء عصره وحكامه، وكان ثمنه الإعدام. لكن التراث الصوفي لم يرَ فيه مجنوناً ولا كافراً. رأى فيه عارفاً بلغ حال الفناء — حيث يذوب الذات في الحق ويُمحى الأنا في المطلق. ما بدا من الخارج جنوناً كان من الداخل — في قراءتهم — حقيقةً لا تحتمل إلا هذا التعبير.
هنا يتجلى الجسارة الحقيقية في التراث الصوفي: قراءة الجنون لا باعتباره عجزاً عن الفهم، بل باعتباره فهماً تجاوز المألوف. معظم الثقافات تصف ما لا تفهمه بالخطر. هذا التراث يفعل العكس: الغموض ليس نقيصة، بل علامة عمق. غير أن هذا لا يعني تقديس كل هذيان. كان الصوفي يملك حساسيةً دقيقة تميّز المجذوب عن المريض فعلاً. المسألة ليست تكريس كل جنون، بل الاعتراف بأن بعض الأحوال لا تُقاس بمقياس العقل وحده.
انتصار العقل وأبواب الحديد
في القرن السابع عشر في أوروبا جرى شيء مختلف جذرياً: أُغلق الباب على المجانين. سمّاه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو “الحبس الكبير”. في فرنسا فُتح “هوبيتال جنرال”، وفي إنجلترا فُتح بيدلام. لكنها لم تكن مستشفيات بالمعنى الدقيق. كان الشحاذون والبغايا والمجانين يُزجّ بهم جميعاً خلف الجدران نفسها.
قصة بيدلام تكشف هذا المنطق بجلاء. فُتح المكان أمام الزوار في وقت مبكر كعام ١٦١٠. دفع اللورد بيرسي في تلك السنة عشرة شلنات ليتجوّل بين ساكنيه ويتأمل أحوالهم. مع الوقت تحوّل هذا إلى مصدر دخل منتظم. قرش واحد يكفي أي زائر للدخول. استمر ذلك حتى عام ١٧٧٠.
لكن الأعمق من الفعل نفسه هو التصور الكامن تحته. كان عصر التنوير عصر النظام والتصنيف والإنتاج. الإنسان الذي لا يعمل، ولا يستطيع أن يعقل، ولا يُسهم في المجتمع — هذا الإنسان لا مكان له في المشهد. وجب إخفاؤه، وضعه خلف الجدران. يُركّز فوكو على هذا بالذات: بيدلام لم يكن يحبس المرضى فحسب، بل كان يحبس نظرة المجتمع إلى ظله الداكن. عصر يعبد العقل عامل اللاعقل كجريمة.
جذر الفارق ليس في الجغرافيا، بل في الجواب على سؤال: ما الإنسان؟ في التصوف يُرى العقل الفردي حجاباً — طبقة تحجب الوصول إلى الحق وتستوجب الاختراق. في التنوير العقل هو التعريف والفضيلة معاً. تذكّر جملة ديكارت الشهيرة: “أنا أفكر، إذن أنا موجود.” هذه الجملة تبني الإنسان كله فوق عقله. أحدهما يرى وراء العقل حقيقة أعمق؛ والآخر يرى في العقل أساس الحقيقة ذاتها.
ما يلفت الانتباه هنا
حين تضع الرؤيتين جنباً إلى جنب، يظهر سؤال يصعب تجاهله: إذا كان الاثنان يتأملان الشخص نفسه ويريان شيئين متناقضين، فإلى أي حد “الطبيعي” شيء نملكه نحن — وإلى أي حد هو خط رسمته الخريطة التي وُلدنا فيها؟ المجنون الذي يهيم في الصحراء — لو وُلد في لندن، ربما كان يُعرض في زنزانة بقرش.
حين يكون الطرفان معاً محقَّين
البُعد المضيء في التراث الصوفي يكمن في صدقه. ثمة أشياء لا يستطيع العقل الإمساك بها. التصوف يعترف بذلك ولا يهرب منه. السيطرة والمنطق لا يعطيان الصورة الكاملة للوجود. الطب النفسي الحديث يناقش اليوم ما إذا كانت بعض التجارب الصوفية ليست مرضاً بل حالة وعي مختلفة. التراث الصوفي حدس ذلك قبل قرون.
والبُعد المضيء في التنوير يكمن في المسؤولية. دراسة الجنون بمنهجية — ما هو، لماذا يظهر، كيف يُعالج — هذا هو الذي مهّد طريق علم الأعصاب والطب النفسي الحديث. نقد فوكو يكشف الوجه الداكن لهذا النظام، وهو في ذلك محق. لكن الفضول العقلاني ذاته هو ما أتاح العلاج الفعلي مع الوقت. الأدوية والعلاجات والتشخيصات التي تُمسك اليوم بيد من يرزح تحت اكتئاب حاد — هي أبناء بعيدون لذلك الفضول البارد الظاهر.
ما يبرز من هذه المقارنة
كلا التراثين يحاولان في النهاية حماية الإنسان نفسه، لكن من طريقين متعاكسين. أحدهما يحميه بقداسة المعنى، والآخر باحتمال الشفاء. شفقة الأول تمرّ عبر الاحترام، وشفقة الثاني تمرّ عبر التدخل. ربما يكون أنضج موقف ألا نجعلهما عدوّين — بل نفكر فيهما كيدين تُكمل إحداهما الأخرى. حين تحفظ إحداهما المعنى، تُخففّ الأخرى الألم.
صادفت منذ فترة جملة في كتاب: الأفكار لا يمكن السيطرة عليها؛ محاولة إيقافها عديمة الجدوى. والأهم: الأفكار لا صلة لها بشخصيتنا. شخصيتنا تتشكّل بما نختاره في الحياة، لا بما يهجم على عقلنا في لحظة عابرة. حين قرأت هذا للمرة الأولى بدا غريباً. ثم فهمت: أن تنظر إلى ما يدور في ذهن شخص وتحكم عليه من خلاله، ربما لا تصف ذلك الشخص دائماً — بل تصف مَن يحكم. فكرة تخطر على بالك لم تدعوها أنت، ولا هي تمثّلك.
ثقافة تسأل المجنون: “هل وجدت الله؟” وأخرى تسأله: “هل أخذت دواءك؟” كلتاهما محقة من زاوية. لكن الأهم: السؤال الذي نطرحه يكشف ما نحن عليه. لأن الطريقة التي ننظر بها إلى إنسان ما تُخبر — في أغلب الأحيان — عنّا نحن، لا عنه هو.
S.K.C.، كُتب في 2 يوليو 2026 في فيينا.
© 2026 eastwestmindset — جميع الحقوق محفوظة. يتطلب استخدام نصوص هذا الموقع إذنًا مسبقًا.